الحسين باتا يعود من جديد في قراءة لمسرحية ” في انتظار مارو “

في انتظار “مارو”

عرض مسرحي باذخ وماتع ومستفز، يدخل عنوانه المتلقي في احتمالات عديدة للقراءة، ويستدعيه إلى متاهات تبشر بيسر الفهم وعسره في آن واحد، في انتظار “مارو” صيغة تستدعي شخصية “كودو” الشهيرة التي قد تأتي وقد لا تأتي، ولأن النص كتب في أرض الحبشي وأحوازها يستحضر المتلقي قسرا حكاية “مارو ولد أواه” الشعبية التي تحيل على صعوبة القدوم، إلم تكن استحالته، فتتزاحم الأسئلة بحثا عن فحوى الرسالة/الرسائل التي يبعث بها فريق هذا العمل.
لم يحاول هذا الفريق وضع المتلقي على صفيح التشويق الساخن فتم التصريح بكون “مارو” هو الإبن الوحيد للشخصيتين الرئيسيتين في المسرحية، ذلك الإبن الذي هاجر مضطرا منذ سنوات إلى بلاد المهجر البعيدة المجهولة بحثا عن ظروف عيش أفضل، وكلما طال أمد الغياب تلاشت أكثر فأكثر صلة الوصل مع الأبوين، اللذين نسجا حياة خاصة لوحيدهما، فزوجوه في خيالهم وتخيلا أبناءه، ونسجا سيناريوهات مثخنة بالتفاصيل للحظة اللقاء الذي لم يتم بسبب “الظروف الجوية”، واستمر كأس الشاي المجسد للزمن/العمر في التناقص دون أن يطرق “مارو” باب الأبوين.
وفي آخر مكالمة هاتفية أدركت الأم أن ابنها غائب لأسباب خارجة عن إرادته، إنه سجين هناك في المجهول حيث لا عنوان ولا معارف ولا أصدقاء…
مات الأبوان وكلهما شوق للقاء الإبن الذي لفظه الوطن إلى عذابات المنفى، وكلهما اشتياق إلى هداياه البسيطة المشبعة بالحب، وإلى قهقهات الصغار وعناد الزوجة، لينطلق صوت ول السوداني صادحا بأكثر أغانيه حزنا “صبري يا عيني ذلشفت يطعن” وسط إضاءة خافتة تؤشر على نهاية عذاب وبدايات عذابات جديدة سيحملها “مارو” على كاهله إن قدرت له العودة.

إنها مأساة بكل المقاييس غدتها لوحتي البداية والنهاية بصوت الناهة منت لعبيدي الذي يوقظ كل أشكال الأسى والتعاطف، ورش الملح على الجراح، ويذكيها صوت السارد الذي يصر على مضاعفة حجم الألم متماهيا مع الضمير الجماعي الذي يمنع ضمير الفرد من الشعور بالارتياح حين يبرر الهجرة بصعوبة ظروف الوطن وتقصير مسؤوليه، مستحضرا دور سوء التربية في تحليق الأبناء بعيدا عن فلك الأبوين، فألم العوز في الوطن خير من آلام الغربة هناك في المجهول، وبذل التضحيات من أجل ضمان مستقبل جيد للأبناء أفضل من أوجاع الشعور بالضعف والوهن وقلة الحيلة أمام وضع كارثي يعاني فيه الإبن من الغربة والسجن وتسلط السجان.

كما عالج هذا العرض المسرحي أيضا تيمة “سلبيات سياسة الإبن الوحيد”، وهي سلبيات لا يشعر بها إلا من اكتوى بنارها مثل هذين الزوجين، فكانت تلك رسالة مشفرة للأزواج تنصح بتفادي الوقوع في ذلك الخطأ، وكرسالة أخرى ملحقة فإن المسرحية توصي المتقاعدين بممارسة نشاطات تمنع عنهم الملل القاتل الذي يجترح من الوقت الضائع مزيدا من الخلافات والنزاعات مع الزوجة حتى تتحول حياة الزوجين إلى سلسلة من الشجارات المتناسلة التي تكدر صفو الحياة.
لقد عاش “جاعه” وزوجته أكثر من خمسة عشر سنة في قاعة انتظار حالكة السواد تضج بالخلافات والصراخ والعويل والأحلام الغبية كنتيجة لاختياراتهم السابقة واختيارات “مارو”، ومات الزوجان في تلك القاعة، ونحن لا نملك حيالهما غير التعاطف الساذج الذي لا فائدة منه، لكن وبمنطق براغماتي علينا أن نتلقف العبر وألا ندخل ذواتنا يوما إلى مثل تلك القاعة.