سكيزوفرينيا الخطاب السياسي بإقليم اسا الزاك

 بقلم: الدكتور الحافظ حواز
في مستهل هذا المقال، لابد أن نعرج على مفهوم السكيزوفرينيا؛ أو ما يصطلح عليه: “بالفصام” عند البعض، غير أنني سألتزم بالترجمة الحرفية أي كلمة السكيزوفرينيا؛ فهي تعني “اضطراب نفسي و عقلي يصيب الاسنان يجعله ينتقل في فضاء ينعدم فيه مفهومي الزمان و لا المكان، و يظهر ذلك من خلال الميكانزمات الدفاعية كالهذيان والهلوسات و الانكار وعدم الاهتمام و كثرت الحركة وعدم الاستقرار، كل ذلك بحثا عن محط لدال انفصل عن مدولوه، او موضوعه الصلب، مما يمكنه من الاستقرار و العودة الى الحضن المفقود و بالتالي وجود هذا المحط هو سبب البحث الدائم: فهو المرجع الذي يمكن من الانطلاق، وهو الاصل الذي ينسجم مع الجزء، وهو الموجه الذي يسهل فعل الحركة المتوازن”.
أن المتتبع للسلوك و الخطاب السياسي بإقليمينا العزيز لن يجد صعوبة كبيرة في وضع وصفة اكلينيكية Tableau clinique؛ تقوده الى استنتاج ان الوضع يرتبط بسكيزوفرينيا سياسية، تعم الاقليم ككل و تصل في عديد اللحظات الى هيجان Agitation، يجب معه التدخل الطبي من ذوي الاختصاص؛ غير ان ما نعيشه هو تدخلات لمن هم اكثر مرضا بل من هم في وضع صحي سياسي اكثر تعقيدا، بحيث نجد ان المضطرب بالبارونيا يريد علاج السكيوزفريني؛ وهو ما يزيد ميكانيزم الشك و الريبة و الشعور بالتهديد الى ما سبق من ميكانيزمات خاصة بالسكيزوفرينيا؛ ليصبح المختص في علم النفس و كذا الاطباء النفسانيون أمام وصفات طبية معقدة قد يطول الوقت في شرحها فما بالك بالبحث عن علاجات لا صحابها. ولكشف جزء مما سبق سرده؛ فإننا سنعمل على توصيف للميكانيزمات الدفاعية حتى نؤكد تشخيصنا للحالة السياسية الموجودة في الساحة الانية؛ فبالنسبة لهذه الشخصية المضطربة والقول بان اضطرابها هو من صنف السكيزوفرينيا؛ نجده مكشوفا في تيمتي الزامان و المكان؛ فتحول الكائن السياسي المحلي من موضع الى اخر يكاد يكون بعدد ثواني الدقيقة، بل اكثر من ذلك هذه الانتقال قد يصل في بعض المواقف الى تشكيل مكاتب تدبيرية على راس كل ساعة رغم الاختلاف في الالوان و المرجعيات، أما المكان فهو مفقود تماما لان هذا الكائن السياسي المحلي يربط استقراره باستقرار مصالحه الضيقة؛ و التي ترتبط ايضا بسرعة الاشباع المقرونة بنهم منقطع النظير؛ و منه فكلما انتهى شعوره من الْتهام شعور اخر الًا و بحث عن مستقر اي شعور جديد يقتات عليه، ويضيفه الى قائمة اللاشعور اي نفيه و اخراجه من دائرة الوجود، وهنا لن يكون من الصعب علينا القول بان سرعة الالتهام تعكسها سرعة الجوع و الرغبة في الاشباع من جهة وفي نفي شعور اخر موجود قد يمثل ذات تهدد وجود وحضور الشعور و الذات المهيمنة من جهة أخرى، ومنه يتأكد لنا منطق الانتقال و التحول السريع من ضفة الى اخرى ومن لون سايسي او تجمع سياسي الى اخر لان الكائن المفعول به هو نفسه تحت تأثير سلبي قوي يهدد وجوده اذا ما امتنع عن تنفيذ المطالب الملحة لمبدأ الاشباع الذي يشكل هاجس وجوده و مبدأ الضمان في استقراره واستمراره رغم ان هذا الامر و المبدأ لا يتجاوز معطى الهُيَامات Fantasmes، اما الواقع فهو امر مختلف. ولأننا بصدد السكيزوفرينيا، فإننا لم ولن نتفاجأ بسيل من الكلام في عديد المواضيع و المواقف التي قد تصل الى درجة التضارب و التناقض حتى، بل ويصل الامر في مواقف معينة الى الفوز بلون سياسي و الحديث بلسان اخر ثم وصل الى الاصطفاف الى جانبه ضدا فيمن سبق و امنوه على رسالتهم السياسية، و السبب يعود الى مبدأ الاشباع الذي اشرنا اليه سلفا، ثم الى منطق قوة الجمع الواحد الذي يعطي صفات التمكن و الهيمنة و الفعل و الحركة و الاستقرار وبالتالي الوجود من عدمه للبعض ويسلبها من البعض الاخر، أننا أمام قوة و مبدا الخصاء لمن هو ضد هذا الواحد، وفي نفس الوقت تمكين من يدور في فلكه من خصال الهبة و الاحترام و الفعل و القول المستمد من الاصل و الذي هو هذا الواحد، لكن بشرط عدم الاقتراب منه و من مركزه لأنه يهدد الواحد في وجوده و قوته، ويهدد الكائن المقترب بنفيه والتهامه كليا، وفي نفس القياس عدم الابتعاد عنه لأنه يكشف نوايا الانقلاب او ظهور ذات اخرى تشكل منطلقا لاهتزاز ما سبق قوله من امكانيات وقدرات متفردة لهذا الواحد، وهو ايضا فعل يهدد الواحد مع جمعه ويكشف الاختلاف معه، ويعطي الفرصة لظهور ذات اخرى قد تفكر في البحث عن المركز لاستبدال الواحد بواحد اخر، مما يفرض عليه الانقضاض على هذا الاخر/ الغير وسلبه مقومات الوجود و الفعل وحتى الرجولة، ليبقى هذا الواحد المُمَركز بصفات الكمال التي يبحث عنها جمعه، فلا يسمح الا بما يعزز وجوده و يرفع من درجة تحكمه في الجمع، فهو الفَعًال وهم المفعول به، و هو القائل وهم المستمعون المطيعون، وهو الامر وهو الناهي، وهو الكل والباقي الجزء، وهو الواحد والجمع المحيط به يشكل انعكاسا لما يختص به من قوة وهم من ضعف (مبدأ المرأة)، و هو مصدر الرجولة وهم بصفات الخصاء Castration، وهو الذي يستطيع الفعل وهم الفاعلون المنفذون بل ويتسابقون على ارضاء رغباته ونهمه، وفي سبيل ذلك يتفننون في انكار ضعفه، او حتى التشبه به، فهو الذي يملك ما لا يملكه غيره، وهو الذي يستطيع التفكير بنصفي دماغه، وهو ايضا من تعلم في كراس يختلف عما بين ايديهم، وفي سبيل ذلك يصنعون الاساطير ويصدقون كل كلمة تقال فيه بل قد تصل الى درجة الايمان الذي يصل بصاحبه لدرجة القدسية؛ فتراهم يتبركون بلباسه و بأطرافه، بل حتى بفضلاته؛ اننا مع الاسف امام شخصية اضطرابها يجمع بين الشيء ونقيضه، بين القول وعدمه، بين الواقع و الخيال، بين الحق و الباطل، بين الوجود وعدمه. فنجد الفاعل السياسي يخرج اليوم ببيان ضد فاعل اخر او ضد فعل قام به، وبعد مدة وجيزة يخرج نفس الفاعل بمقال مطول يتفنن في انتقاء مفردات المدح والتهليل لمن انتقده قبل قليل، كما نجد هذا الفاعل ببلدتي الحبيبة يقوم بجميع الاوامر الدينية طبقا لسنة نبينا المصطفى عليه افضل الصلاة و السلام، وفي نفس الوقت منع عطاء لهذا و قام بخَصْمٍ خارج القانون من منحة لهذا، بل وصل الحال الى انتحال الصفة وهو امر يضبطه القانون الذي هو مغيب بقوة كمال وفاعلية هذا الواحد الذي اشرنا اليه سابقا.
إن ما اشرنا اليه من ميكانيزمات دفاعية للشخصية السياسية بإقليمنا الحبيب يتيح وبسرعة فرصة الوقوف على ما كتبناه عنوانا لمقالنا هذا؛ والذي ربطنا فيه ما يقع باضطراب السكيزوفرينيا السياسية بالإقليم، ولعل اخر الخرجات غير الموفقة التي صدرت من ممثلينا مع الاسف السياسيين لغايات ستكشفها الايام بإذن الله، لخير دليل تشخيصي يؤكد ما قلناه منذ زمن وما كتبناه في هذا المقال، فلإن الواحد المتحكم قد استشعر باهتزاز (منطق بيت العنكبوت) داخل الهالة التي تحيط به، ولأنه تأكد بان الاهتزاز سيؤدي الى تفكك في نسيجه الهش، بادر الى محاولة الكشف عن قدراته الخارقة بجعل ذلك المحيط – الكل- يخرج الى العلن كوحدة متراصة في المظهر تتكلم لغة الجمع و في الكنه هو جمع يخدم واحده؛ غير ان الواقع يعطينا اشارة بقرب نهاية هذا التشكيل من خلال انصهار الجمع مع واحده، وهو ما قد يُخْرجُ متنافسين جدد كانوا تحت مظلة الواحد المتحكم، وبعد انجلاء سحره وبريقه الذي يشد الجمع لمركزه؛ سيتمكن جزء من الجمع من اظهار ذاته و القول بشخصيته خارج منطق هذا الكل وهو ما سيفتح الباب للقول بالاستقلال عن هذا الواحد، مما سينتج عنه تفككا وانشطارا لهذا الجمع وعدم استقرار جديد، الامر الذي سيهىء ارضية للبحث عن مستقر ومدلول(الموضوع الصلب) اخر، بمرجع البحث عن السكون الذي ينشده الجميع وتبحثه عنه الذوات المتحررة.

التخطي إلى شريط الأدوات