يوميات معلمة في الأرياف…..”المغادرة”

إعداد/ فاطمة هداري

تسع سنوات مضت ، وكان لابد للطير أن يعود ، وكان لابد أن تنتهي الرحلة هنا لتبدأ من مكان آخر ..
هي مدة طويلة جدا في عرف أي معلّم لا يتعلق بالأماكن، ولديه متلازمة تغيير الفضاء ، وقد تكون ضربت من الحمق أن لا تسجل هذه العابرة طلب انتقال لسبب غير مفهوم أبدا، لكنها أيضا في قاموس الذين أمضوا العشرين وفوقها لاشيء بتاتا سوى سنوات التعود الأولى..
بالنسبة لها كان الأمر بين هذا وذك ، أمر أشبه بحلم راودها كثيرا وركضت فيه كثيرا ، للتّو انتبهت لطول هذه المدة ورغم ذلك لم تكن كافية لأحلامها لفعل كل شيء ، ولأن نهاية سنتها الأخيرة جاءت مبكرا بسبب الوباء فقد بدا الأمر حزينا أكثر…
مضت سريعا جدا هذه السنوات، كان العام يمضي فقط ليستقطب العام الذي بعده كقوة مغناطيسية لم تكن تشعر بثقلها يوما ، كانت عقارب الوقت ذات وقع غير مفهوم في دستورها ، لكنه كان محببا لها لأنه يمنحها المزيد لإضافة شيء ما على رسمة الطفل تلك التي كانت ترسمها وهي صغيرة…
حين كان الجميع ينظر باستغراب للسبب الذي يجعل حقا الواحدة منّا لا تطلب الانتقال إلى مكان أقرب لعائلتها،كانت هي واثقة من أن كل شيء في حياتها القصيرة سار بتقدير الله ، وأن الأمر يتجاوزها وهو الذي تعلق بذلك الدعاء الخفي الذي تلته إثر ظهور أول تعيين لها ، كانت تردد دائما للسائلين ” حين ينتهي رزقي من هنا ، الله سيتكفل بالأمر وهو قادر على إلهامي بالرحيل، ثم ما نفع كثرة الترحال بدون أثر ” وهكذا كان ، كانت موقنة أن الذي زرعها هنا قادر على أن يوحي لها وقت ساعة الصفر الجديدة ، حيث سيتكلف أيضا بإلهامها المدارس للتي يمكن تعبئتها ، لهذا الحد كانت مؤمنة جدا فيما يتعلق بشق هذا الأمر في حياتها ، لأنه لا يتعلق بها وحسب ، وفي دستورها كل ما يتعلق بالآخر بواسطتها فهو مختوم بالاخضرار والتبسم في النهاية، كان كل شيء يسير وفق مخطط أعلى منها وهذا ما كان يريحها ويمنحها تلك الهالة من الرضى دون تأفف أو ضجر أو محاولات يائسة للطبطبة بشتم الظروف…
اليوم وهي تودع آخر ما لها هناك ، ودموع الامهات من ورائها وعناق الصغار وهذا الشعر الأبيض يغزوها، تجلس لأول مرة ، تتأمل ببعض الفخر فصول الحكاية، كونها استطاعت تخفيف بعض الأعباء عمن هم هنا ببعض ما منحتها طيور الحظ والصدف ، وأنها جاهدت طوال الوقت حتى لا تكون مجرد معلمة محبطة، وحتى تكون لسانا صادقا باسم أطفالها وأهلهم، وأنها يوم سترحل ،سترحل إليه طالبة شفاعة من مرت بهم وكلها أمل في القبول…
اليوم وهي تحزم حقيبتها الصغيرة، غريبة كما أتت ، تدرك كم كان عليها أن تبدو متماسكة لأجل من أحبتهم كأنهم أطرافها التي لا يمكنها التحرك بلاهم ، تدرك كم كانت زميلة سيئة لكثيرين ، وكم كان يمكنها أن تفعل الأشياء بدرجة أقل من الانفعالات ، لكنها أيضا تدرك كم أنّنا لا نملك دائما قرار اللحظة ، وكم أن بعض الخطوات يتجاوز مقدرتنا على المجاملة والتحايل…
الآن وهي ترحل ، تسأل الله أن يختار لتلك البقعة من هو خير منها ، وأن يختار لها حيث تواصل رسالتها بذات الشغف والحب …
طيب الله الأثر
( يوميات معلمة في الأرياف )