ها أنتم أولاء ترون الجناح المغاربي، كما في الماضي، لـمّا يزل يعاني من استهجان غالبية المشارقة ومن عقدة تفوقهم تجاهه؛ عبّر عن هذا الوضع الصاحب ابن عباد حين اطلع على العقد الفريد لابن عبد ربه وقال قولته التي سارت بها الركبان: “هذه بضاعتنا ردت إلينا”. ولا يفيد في شيء أن نجادل في هذا الحُكم ونبطله لكونه صادرا عن كاتب ضعيف الجودة، قليل الباع، وزيرٍ جائر متسلط، صوره أبو حيان التوحيدي أبلغ تصوير وأوفاه في مؤلفه مثالب الوزيرين، وكان عانى الأمرين من عنفه وجبروته إبّان حكم البويهيين. صح أنه لا يفيد ذلك ولا يجدي، إذ أن غاية ابن عبد ربه من وضع مؤلفه بقيت حبرا على ورق، وهي إظهار أن بلاد المغرب، على بعد شقته، له من العلم والأدب نصيب معتبر، بل إن صورة المغاربيين، ولو بعد ذلك العهد، ظلت في المشرق تتسم بالإهمال والاستنقاص. وحتى مؤرخوه فقد وصفو تلك البلاد كأرض بدعٍ وضلالات.

المغرب أو المغارب؟ بلاد مغيب شمس المشرق. والشمس هنا ليست بالمعنى الحقيقي فحسب، وإنما بالمعنى المجازي كذلك، إذ أنه القطر الذي تشحب فيه ثقافة المهد العربيّ وأشعته، وتضمر بفعل المغايرة البشرية وبعد الشقة… “كم اللباس” هو هذا الجناح الذي لا يأخذ من التاريخ العربي الاخباري، المنجذب إلى الشرق، سوى حيّزٍ يتيم أو ملحق. إنه، كما نظر إليه مؤلّف شرقي، يستشهد به المؤرخ السوري-المصري ابن فضل الله العمري: “من الإقليم الثالث صاحب سفك الدماء والحسد والحقد والغلّ وما يتبع ذلك […]”.

في اتجاه مغاير جذريا، عن هذا المغرب من أدناه إلى أقصاه سعى عبد الرحمن ابن خلدون، لحسن حظنا إلى الكتابة عنه بقصد إبراز فروقه وتثبيت ذاكرته، ناقدا المشرقيين ومتجاوزا أدبيات الحوليين والرواة الانطباعية العجلى. ثم جاء كتابه الموسوعي الأشمل المسمى كتاب العبر، فأجاد فيه وأفاد، ورد للقطر المغربي ما يستحقه من عناية واعتبار.

على ذكر ابن خلدون وللتمثيل فقط، كانت سنة 2006 سنة إحياء الذكرى المئوية السادسة لوفاته، وتسنى لي، من باب التخصص، الحضور في العديد من الندوات بمدن عربية وبعضها أوروبية. وما قيل عن فكر ابن خلدون المغربي وعن كتاب المقدمة حصريا في غرناطة وتونس والجزائر وخصوصا في القاهرة والإسكندرية ليدل بالملموس على أن هناك عند نسبة مهمة من الأساتذة والدكاترة مشكل قراءة للنص الخلدوني وتواصل معه لا ريب فيه، مشكل من صفاته الخمول النظري والتسطيح التحليلي والغفلة بل العمى عن منطوق النص ومدلولاته المحسوسة. ويبلغ بك الانزعاج منتهاه حينما ترى تلك الصفات كامنة في كلاميات من تعتبرهم “الساحة الثقافية” ولغة الإعلام أسماء وازنة، بل قد يخامرك الشك في كون هؤلاء قد قرأوا حقا لمن يتحدثون عنه واخذوا نصوصه بقوة التحقيق والجد.

في صكّ الشكاوى!

أليس أقوى دليل على اختلال عبارات التبادل بين المغرب والمشرق وتحيُّف هذا على ذاك يقوم في صك الشكاوى المتظلمة المعبَّر عنها من طرف أعلام وأقطاب مغاربيين وأندلسيين من العهد الوسيط. فمن القرن السادس ه، هذا ابن بسام السنتوريني، وليد سانتورين البرتغالية، يروم إعادة الاعتبار إلى عطاءات الأندلسيين والمغاربة المتميزة في مجالات شتى من آداب وعلوم، وذلك في كتابه الموسوم، الدخيرة في ذكر محاسن الجزيرة؛ وهذا معاصره أبو الوليد ابن رشد يقرُّ بفكرة وحدة العقل البشري، ومفادها أن العقل النظري كطاقة تحصيل وإدراك واحدٌ لكل البشر، ولو أُختلف في انتهاج سبله وأساليبه. وهذا في القرن الموالي الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي، يذهب في “رسالة الانتصار” إلى عقد مقارنة جريئة بين الجناحين المغربي والمشرقي، ويكتب: “فالحمد لله الذي جعل فتح هذا البلد [المغرب] فتحَ أسرار فلا تُفتضُّ أبكار الأسرار إلا عندنا، ثم تطلع عليكم في مشرقكم ثَيِّباتٍ قد فرضن عِدتهن، فنكَحتُموهن بأفق المشرقِ، فتساوينا في لذّةِ النكاح وفزنا نحن بلذة الافتضاض”. أما ابن خلدون في هذا المقام أيضا فيكتب أيضا ما يلي: “ويعتقدون [المشارقة] التفاوت بيننا وبينهم في حقيقة الإنسانية ويتشيّعون لذلك ويولعون به لـِما يرونَ من كَيَسهم في العلوم والصنائع […] وليس ذلك بصحيح…”. وهؤلاء الأعلام لا يأبهون لبلاد مأتاهم حين تكون بلاد موئلهم ومستقرهم معرضة للإستخفاف والإيهان.

أما في زماننا فقد ظل صنو تلك التظلمات ساريا، كما نجده عند التونسي محمد الحليوي في رسائله إلى أبي القاسم الشابي، وعند علال الفاسي في كتابه الحركات الاستقلالية في الغرب العربي، وبرزت القضية أكثر مع عبد الله ﮔـنون في مؤلفه الفذ النبوغ المغربي في الأدب العربي. وقصده من وضعه، كما يعلن عنه بكلمات لا أوضح منها ولا أجلى: “ولعلي أرفع الضيم عن بلادي وأثبت مركزها في حظيرة العلم والأدب، على ما هو عليه مركزها في السياسة والحرب أو أعظم”. إلا أن الكتاب لم يبلغ واضعه القصد المراد منه، ولم يجنِ الثمرات المرجوة. وكيف له ذلك وإخوتنا في المشرق إجمالا غير طالبين ولا مطلعين على آثار المغاربيين المعاصرين وإنتاجاتهم، كأن الواحد منهم يردد خفتا مع الصاحب ابن عباد قولته الواردة أعلاه، أو مع المتنبي “أنا الطائر المحكي والآخرُ الصدى”. وإن اجترح بعضهم ذلك فبخصوص النزر اليسير، وبأذهان لاهية وعيون مستنيمة؛ أما إن تكرَّم بعضهم بالحديث أو الكتابة عن شيء منها، فمسلكهم في الأمر الاختزال والإبتسار، وربما بتحبير كلمات ثناءٍ وتقريظ معلبةٍ جاهزة تصلح لأيِّ كتابٍ صدر ومن حيثما ورد وأقبل… هذا وإن شخصيات منهم ما زالوا يسمون المغرب مراكش، ولا يتوفقون في إخفاء جهلهم بتاريخه ورجالاته.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.