Home » أراء الكتاب » د.الشيخ النعمة يكتب: من الفكرة إلى الفرصة: كيف يحول البحث العلمي كلميم إلى قطب استثماري وتشغيلي

د.الشيخ النعمة يكتب: من الفكرة إلى الفرصة: كيف يحول البحث العلمي كلميم إلى قطب استثماري وتشغيلي

بقلم/الشيخ النعمة ماء العينين°

في عالم اليوم، لا تقاس التنمية بعدد المشاريع المنجزة فقط، بل بقدرتها على خلق فرص شغل مستدامة وتحريك عجلة الاستثمار المحلي.
وفي إقليم كلميم، الذي يسجل أعلى معدلات البطالة على الصعيد الوطني، بات من الضروري أن تتحول الجامعة إلى فاعل اقتصادي وتنموي حقيقي، لا يكتفي بتكوين الطلبة، بل يُسهم في توليد فرص العمل عبر البحث العلمي والابتكار.

تصوروا مثلا أن فريقا من الباحثين في جامعة مغربية توصل إلى اختراع طريقة جديدة لمعالجة النفايات البلاستيكية وتحويلها إلى طاقة.
هذه الفكرة، إن تم تثمينها في براءة اختراع، يمكن أن تباع أو ترخص لشركة صناعية كبرى، بشرط ذكي وواضح: أن تقيم الشركة وحدة إنتاج في إقليم كلميم، وأن توظف شباب المنطقة وتكونهم على استخدام التكنولوجيا الجديدة.

بهذه الصيغة، يتحول البحث العلمي إلى بوابة استثمارية، ويصبح الاستثمار نفسه محرك التشغيل والتنمية. إنها معادلة بسيطة لكنها فعالة:

“بحث علمي              براءة اختراع                استثمار محلي               فرص شغل”.

لكن أهميتها تتجاوز البعد الاقتصادي الضيق لتصبح رؤية جديدة للتنمية الترابية، تقوم على جعل المعرفة أساسا لكل مشروع استثماري.

من جهة أخرى، إقليم كلميم يستعد اليوم لإطلاق الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، وهو مشروع طموح يروم إعادة توجيه الجهود التنموية نحو النجاعة، الاستدامة، والعدالة المجالية.
ويشكل البحث العلمي والابتكار أحد أعمدته المستقبلية، لأنهما يمكنان من بناء نموذج اقتصادي محلي يقوم على استغلال الموارد الذاتية للإقليم بدلا من انتظار الاستثمارات المركزية.

ففي المرحلة الجديدة، لم يعد الهدف هو إنشاء مشاريع بنيوية فقط، بل تحفيز مشاريع إنتاجية قائمة على الابتكار المحلي:

  • إنشاء حاضنات جامعية للمقاولات المبتكرة.

  • تحويل مختبرات البحث الجامعي إلى فضاءات لتوليد براءات اختراع.

  • ربط كل ابتكار علمي بآلية تمويل واستثمار محلي.

  • إشراك الشباب الباحثين في بلورة مشاريع تنموية ذات أثر اقتصادي مباشر.

هذه المقاربة تجعل من الجامعة قاطرة فكرية داخل البرنامج الترابي، ومن الاستثمار محركا ميدانيا للتنمية والتشغيل.

إن تحويل الجامعة إلى فاعل استثماري ليس ترفا فكريا، بل ضرورة اقتصادية في إقليم مثل كلميم الذي يزخر بإمكانات غير مستغلة:

  • الثروات البحرية والساحلية التي يمكن تثمينها ببحوث تطبيقية.

  • الطاقة الشمسية والريحية التي تتيح فرصا لمشاريع صناعية خضراء.

  • الزراعة الواحية والمنتجات المحلية التي يمكن تطوير سلاسل قيمتها عبر البحث الزراعي.

  • الاقتصاد الرقمي والخدمات الذكية التي يمكن أن تخلق “مهن المستقبل” في المنطقة.

كل مجال من هذه المجالات يحتاج إلى بحث علمي يولد معرفة، وإلى مستثمر يحول تلك المعرفة إلى عمل. وهنا، يمكن للجامعة أن تلعب دور الوسيط الذكي بين المختبر والمصنع، بين الفكرة والمشروع، بين الشهادة وفرصة الشغل.

إن الاستثمار هو المحرك الأساسي للتنمية والتشغيل، ولكن هذا الاستثمار يحتاج إلى بنية فكرية وابتكارية تقوده. فكلما كانت الأبحاث الجامعية قريبة من حاجات السوق والإقليم، كلما تحولت نتائجها إلى مشاريع قابلة للتطبيق، وشجعت المستثمرين على التوطين.
مثلاً:

  • اختراع جامعي في مجال الطاقات المتجددة يمكن أن يجلب استثمارا في منشأة لإنتاج الألواح الشمسية.

  • بحث حول تثمين المنتوجات البحرية يمكن أن يؤدي إلى إحداث وحدة صناعية للتعليب والتصدير.

  • تطوير تطبيق رقمي لتدبير الأراضي الفلاحية يمكن أن يخلق شركات ناشئة تشتغل في المجال الرقمي الزراعي.

بهذا المنطق، تصبح الجامعة مولدا للمشاريع، ويصبح البحث العلمي رافعة للاستثمار والتشغيل، في انسجام تام مع فلسفة الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية التي تعتمد على الذكاء المحلي.

يتطلب هذا النموذج الجديد من التنمية شراكات استراتيجية بين:

  • الجامعة والمؤسسات البحثية (مختبرات البحث أو فرق بحث)،

  • الجماعات الترابية والجهة،

  • والمستثمرين المحليين والوطنيين.

الهدف من هذه الشراكات خلق منظومة ابتكار ترابية (Écosystème territorial d’innovation) تجعل من كلميم مختبرا مفتوحا للتجريب العلمي، والاستثمار المسؤول، والتشغيل المنتج.

إن الرهان لم يعد فقط على “المشاريع المادية”، بل على العقول المفكرة التي تنتج حلولا محلية بتقنيات علمية قابلة للاستثمار. وبذلك، تتحول كلميم إلى منطقة ذكية (Smart Region) قادرة على تحويل المعرفة إلى ثروة، والابتكار إلى تشغيل، والجامعة إلى رافعة تنموية حقيقية.

إذن، حين تضع البرامج التنموية الجديدة في كلميم في اعتبارها الجامعة كمحرك استثماري، فإنها تؤسس لتنمية قائمة على المعرفة، وتبني نموذجا جديدا من التشغيل الذكي والمستدام.
فكما أن الاستثمار هو المحرك الأساسي للتنمية والتشغيل، فإن البحث العلمي هو الوقود الذي يُشغل هذا المحرك.
ومن المختبر إلى المصنع، ومن الفكرة إلى المشروع، يمكن لإقليم كلميم أن يتحول إلى نموذج مغربي للتنمية المندمجة القائمة على العلم والابتكار والاستثمار المنتج.

° أستاذ القتصاد بكلية الاقتصاد والتدبير كلميم

اعلانات
التخطي إلى شريط الأدوات