Home »
أخبار جهوية »
الصحفي ابراهيم بوهوش: تنزيل نظام استثمار جديد بالصحراء… بين الإرادة والعبء والواقع: أيهما أفضل للمستقبل؟
الصحفي ابراهيم بوهوش: تنزيل نظام استثمار جديد بالصحراء… بين الإرادة والعبء والواقع: أيهما أفضل للمستقبل؟
حطّت القافلة الجهوية للتعريف بالنظام الجديد للدعم الخاص بالمقاولات الصغيرة جدًا والصغرى والمتوسطة رحالها بإقليم السمارة، في محطة أخيرة على المستوى الوطني. وقد أكد الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية، كريم زيدان، أن الهدف هو تثمين المؤهلات المجالية، وتشجيع التشغيل الذاتي، ومواكبة المقاولات الناشئة، وذلك في إطار تنزيل الميثاق الجديد للاستثمار والقانون 47.18 الذي أعاد هيكلة المراكز الجهوية للاستثمار ومنحها صلاحيات الترويج ومواكبة المشاريع وتبسيط المساطر. غير أن هذا الخطاب، وإن استند إلى التوجيهات الملكية السامية التي جعلت الاستثمار المنتج رافعة أساسية لإنعاش الاقتصاد الوطني، لا ينسجم في الواقع مع السياسات الحكومية التي تُثقل كاهل المقاولات الناشئة بشروط معقدة ودعم متأخر لا يتجاوز 30% بعد ثلاث سنوات.
نعم، فالمشروع الجديد يشترط على المقاول الناشئ أو المتوسط ضخ رأسمال أقصاه مليون درهم، وإنجاز المشروع على الأرض، وتحمل الأجور، وأداء مساهمات الضمان الاجتماعي والتغطية الصحية، ودفع الضرائب والرسوم، ثم الانتظار ثلاث سنوات كاملة قبل أن يحصل على دعم لا يتجاوز 30% موزعًا بين منحة إحداث مناصب شغل، والمنحة الترابية، ومنحة الأنشطة ذات الأولوية، وذلك إن كتب له أن يحظى بموافقة لجنة التقييم المحلية.
أعتقد أن هذه الشروط، وإن بدت منسجمة مع منطق التحفيز، فإنها في الواقع تُثقل المقاولات الناشئة وتضعها أمام خطر الإفلاس قبل أن ترى أي مردودية. ومن هنا، لابد أن تبرز أسئلة حارقة من قبيل: هل كتب النجاح لكل هذه البرامج التي أطلقتها الدولة منذ عقود؟ هل نجح برنامج “أنا مقاول” في تحقيق أهدافه؟ هل استطاع نظام المقاول الذاتي بضرائبه المنخفضة أن يخلق فرصًا مستدامة للشباب؟ هل حقق برنامج “إنطلاقة” ما وعد به من تسهيل الولوج إلى التمويل؟ أم أن هذه المبادرات، رغم أهميتها، ظلت معزولة عن الواقع اليومي للمقاولات الناشئة؟
هذه الأسئلة تجيب عنها الأرقام الأخيرة التي كشفت الحقيقة القاسية: ففي سنة 2025 وحدها سُجلت حوالي 52 ألف حالة إفلاس في صفوف المقاولات الصغرى، 99% منها من المقاولات الصغيرة جدًا، بحسب تقرير الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدًا والصغرى والمتوسطة. هذا الرقم يعكس هشاشة النسيج المقاولاتي الصغير، ويؤكد أن السياسات الحالية لم توفر أسباب النجاح، بل تركت المقاولات تواجه مصيرها وحدها.
وإذا كان ملك البلاد قد قال بوضوح: “منذ استرجاعها، مقابل كل درهم من مداخيل المنطقة، يستثمر المغرب في صحرائه سبعة دراهم، في إطار التضامن بين الجهات وبين أبناء الوطن الواحد”، وأكد أن مؤشرات التنمية البشرية بالأقاليم الجنوبية اليوم تفوق المعدل الوطني، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحًا: كيف لمقاولة ناشئة أو متوسطة بالصحراء أن تنجح إذا تُركت تواجه شروطًا قاسية بلا ضمانات، في حين أن فلسفة التضامن الملكية تقتضي أن تُمنح هذه المقاولات فرصًا فعلية للاندماج والإنتاج؟
وإذا كان الشيء بالشيء يُذكر، ماذا لو استأنس وزير الاستثمار بحصيلة المجلس الوطني للشباب والمستقبل في تسعينيات القرن الماضي، الذي كان غنيًا بالدراسات والأبحاث وعالج قضايا البطالة وسوق الشغل والمنظومة التربوية؟ وماذا لو تم دمج البرامج القائمة مثل “أنا مقاول”، “إنطلاقة”، ونظام المقاول الذاتي بضرائبه المنخفضة، مع النظام الجديد، لتوفير منظومة متكاملة تحمي المقاولات الناشئة بدل أن تُثقلها؟
لقد حذر الملك أيضًا من اختلالات التدبير التي جعلت الصحراء مجالًا لاقتصاد الريع والامتيازات المجانية، وأدت إلى حالة من الاستياء والشعور بالغبن والإقصاء لدى فئات من المواطنين. فكيف يمكن أن نكرر نفس الأخطاء مع هذه المقاولات بالصحراء، ونترك الشباب يغامر بمدخرات أسرته وقبيلته، ويواجه خطر الإفلاس وقتل الطموح؟ إن الغاية من أي برنامج طموح هي توفير أسباب النجاح لا الفشل.
وهنا، تحضرني واقعة أحد أبناء السمارة بداية تسعينيات القرن الماضي، تم إدماجه في التوظيف المباشر ضمن “أشبال الحسن الثاني”، طرق باب مكتب عامل الإقليم، فقال له: “سيدي العامل، لا أريد وظيفة!” تعجب العامل وقال له: “ماذا تريد إذن؟” فأجاب: “أريد إنشاء مقاولة مواطنة، أريد مساعدتك بصفقات وطلبات سند، فأنا ابن هذا الإقليم، لا أصلح للوظيفة ولا أريد أن أكون اتكاليًا على وطني.” قال له العامل: “لك ذلك.” مرت السنوات، وأصبح ذاك الشبل رجل أعمال ناجحًا وصاحب مقاولات متعددة.
اليوم، انتهت القوافل الترويجية والناس استمعت، لكن المطلوب هو أن يبادر السادة الولاة والعمال الذين لا تنقصهم الخبرة ولا الكفاءة في تدبير عملية إنجاح هذا النظام، وكذلك رؤساء الجهات والجماعات والغرف المهنية بما لهم من إمكانات مادية، إلى إنجاح هذا النظام من منظور المعطيات الواقعية والاستثنائية الملموسة على الأرض، ومن واقع اجتماعي واقتصادي هش بهذه الأقاليم، عبر التعاقدات المحلية مع المقاولات الصغرى والمتوسطة، بمنحها صفقات عمومية محلية تُنعكس إيجابًا على الإنسان والمجال، وتفتح أمام الشباب فرصًا فعلية للاندماج والإنتاج والنجاح، بما يغني خزينة الدولة بضخ المزيد من الأموال في الاقتصاد المحلي. نحن، كمواطنين وساكنة، بحاجة إلى مقاولات محلية قوية اقتصاديًا، مقاولات مواطنة قادرة على امتصاص البطالة وفتح سوق الشغل أمام الإنسان المحلي، بعيدًا عن المزيد من الاستنزاف لضرع الدولة. عندها فقط يمكن القول إننا نطبق التوجيه الملكي في جوهره، ونبني سياسة استثمارية عادلة، حيث يربح المستثمر وتربح الدولة معًا.
لذلك، لنقل بصدق: كفى من استنزاف مدخرات الأسر المغربية وطاقات أبنائها وفلذات أكبادها من حملة الشواهد المعطلين ببرامج وأنظمة لا علاقة لها بالواقع. ولنقلها بصدق: المطلوب اليوم ليس قوافل دعائية، بل سياسات واقعية تجعل الاستثمار في الصحراء المغربية وفي كل ربوع الوطن، رافعة حقيقية للتنمية الوطنية، كما أرادها الملك والشعب …
نأمل ذلك صادقين.
2026-02-08
اعلانات