المسألة اللغوية بالمغرب : فتنة “الدوارج”

تصاعدت مؤخرا و تزايدت دعوات موبوءة ، شديدة التحامل على العربية، جدّ أصحابها في النيل من العربية و الدعوة إلى مسحها من الألسنة و المقررات المدرسية، ورَكنها في المتاحف العتيقة وبين ثنايا الكتاب المبين، لا تتعداه و لا تتجاوزه ، فذاك في نظرهم، هو مكانها الطبيعي، الذي منه أتت وإليه تعود.

وهو نظر قاصر مبتسر، ينم عن ضعف ووهن و سقم، لا براء منه، وسوء تقدير للأشياء و التاريخ والوجود الإنساني، في صراعه مع اللسان و باللسان.

ويأتي الفتح الباهر و الإنجاز غير المسبوق ( حقا غير مسبوق) ، من قبل رجل لا يني يعمل على شاكلته ، مستميتا من أجل هدف واحد، لا يحيد عنه، تعمية اللسان المغربي ( ردّه عاميا ) مخترعا لغة جديدة كل الجدة ، لم يسبق إليها أحد من العالمين ( اللغة المغربية)، ومعلنا للعالم اختراعه العظيم و سِفره العجيب، الذي كدّ في إعداده لمدة تنيّف على الأربع سنوات.( تبيّن أن الرجل لا يعمل منفردا، وإنما هو طاقم مُجيّش مدعوم مدفوع ، من قِبل من ؟ و من أجل ماذا؟! ( .

أعدّ هؤلاء قاموسا، أو معجما للغة التي يدعونها بالمغربية، يشرح مغاليق هذا اللسان الدارج، و ما أشكل على مستعملي هذا اللسان ” السيّار” ، و نسأل الرجل و طاقَمه ، مترّجين ، طالبين راغبين، أن يجيبونا عن سؤال واحد ، لعل الله يلهمنا، و يرشدنا، إلى المتح من هذا الفتح اللغوي الذي سارت بذكره الركبان و الجرائد و القنوات التلفزية و اللغوية، و نرجع عن غينا وضلالنا و عيّنا الذي أنقض لساننا و أثقله.

نترجاهم أن يجيبوا عن سؤالنا الوحيد، ما فائدة ما أعدّوه؟ وما جدواه؟

وبعبارة أبسط، من ذا الذي يستشعر حاجة ماسة، في نفسه، إلى اللجوء إلى هذا الكتاب العظيم؟ ولتقريب السؤال من الأذهان، نعيد طرحه ، في صيغة تساير الموجة التي يركبها هؤلاء القوم، ويبثون على ترددها، مَن هذا المغربي الذي سينغلق عليه فهم معنى كلمة ” بْرَحْتْلُولة” ، فيهرع مسرعا إلى المُنجد المنقذ، يفتحه و يقرأ فيه شرح هذه الكلمة ، التي ربما تتوقف عليها حياة صاحبها.؟

ونعيد طرح السؤال الذي يفور ويؤجج غليلنا، عن سبب واحد، فقط ، يمدنا به، نرى فيه عجز هذا اللسان و دونيته، والداعي إلى كشطه من الوجود، فننصرف إلى لساننا الدارجي، نسترد ما غمطنا به ذاك اللسان العربي الذي خدعنا كل هاته القرون الطوال، و ما جاءنا به من جبال مدلهمات من ثراث ضخم تنوء عن حمله ألسنة الأمم الأخرى المُقرّة المعترفة، فنترجمه إلى اللسان العامي واللغة المغربية المغمورة، ذات الوعد المزهر.

وقبل أن تصعد النوايا ذات الأبخرة المسمومة إلى العقول، نطمئن الطواقم و من يواليها، أن العربية ليست بأحدكم من أم أو أب،فمن تكلم العربية فهو عربي. فالعربية لمن يتكلمها و الفجر لمن صلاه، سواء كان من بخارى أو فكيك أو من شيراز.

العربية ليست حكرا على الذين يعتبرون أنفسهم ” عربا” أو ذوي أصول عربية، فالتاريخ البشري، تاريخ هجرات و تلاقح، وأشجار نسب قد تكون غير ضاربة في التاريخ.

كما أن خيمة اللسان العربي من الشساعة بحيث يستظل تحت فيئها أبناء شيراز ( سيبويه) والأطلس ( الجابري) وكل من استهواه هذا اللسان ، ذو القدرة البلاغية و الصرفية و التركيبية و الدلالية المحيرة، والموتورون ذوي الأثآر الاقتصادية ، فليبحثوا عنه بعيدا عن رحى اللسان، وليدخلوا البيت من أبوابه المعقولة الواضحة، دون مواربة أو تقية . و ليسألوا ابن معط و ابن آجرّوم عن الذي دفعهما إلى فعل ما فعلاه رحمهما الله. فالمشكل ليس في كون القرآن الكريم مخلوقا أم غير مخلوق، إنما الأمر متعلق بقضايا أخرى ، يعرفها جيدا ابن حنبل، و بسببها جُلد.

ما الذي يضير الرجل و يغيظه إزاء العربية؟ و لم هذا العداء الذي لا ينتهي؟ بعد الحملة العرجاء التي قادها آملا في تعمية لسان أبناء المغاربة بالمدارس قبل أربع سنوات ، لقد كنا نعتقد أنه فهم الدرس و انكفأ، وأوهى قرنه الوعل، فاتضح أن الفترة السالفة كانت مهادنة، و استعدادا لمناوشة جديدة ، توجّها بهذا القاموس الذي يشرح للمغاربة معنى كلمة ” بوتفتاف”. و ” أحليلّي”، و كثير من الكلمات ذات المعنى الفاحش المبتذل البذيء.

إن دعاة التدريج و “التعمية”، أشدّ وطئا على العربية من غيرهم أسباط الفرنكفونية، لأن هؤلاء يرومون إحلال لسان مكان آخر يزاحمه ويدفعه، في حين إن الآخرين مثل السوس، ينخر من الداخل ، ويتسرب من الشقوق مثل الهوام، والأمر شبيه بالخطر المحدق بالدين، من قبل الشيعة الصفويين، الذين يحرفون و يزوّرون التاريخ ( وهاهم اليوم يزوّرون الجغرافيا) ، و يأتون بأسانيد ما أنزل الله بها من سلطان. فأولئك أشد الناس مكرا و خديعة.

و حتى نسلك أقصر الطرق إلى ما نراه صوابا، فإننا نرى الأمر شديد الخطورة و الأثر، و مدعاة للتشرذم و البلبلة و التشتيت بين أبناء هذا اللسان العربي ، المحارَب دوما ، الطريد دائما، فعن أي لسان دارج يتحدثون؟ هل تراهم يتفقون حول لهجة عامية واحدة داخل الوطن الواحد ؟ أم يُجمعون على لهجة دارجة من بين العاميات المشتتة على امتداد البلاد ؟

إن هذا الفتح ،الذي يعتقده أصحابه مبينا، ليس من الأمر في شيء، فقد أتاه الذين سبقوه، والذين سيأتون من بعده، و لن يفلحوا بعدها أبدا ( قبل شهر، بشّرنا أحدهم ، أن اللسان الدارج سيسكن ألسنتنا، طال الزمن أم قصُر، و أن المسألة مسألة وقت، لا غير! ) و الرجل في ما أتاه، إنما ينطلق عن تعام ( المعنى هنا من العمى و التعمية) وقِصر نظر.

فالعربية لسان من الألسنة الطبيعية التي صنعها البشر، كما صنعوا غيرها ( توفيق أم توقيف! )، تكلم بها أصحابها ، قبل أن تتوهج بالقرآن المعجِز، و تٌعجز به، و لما سار هذا الدين الجديد، يفتح الأمصار، حمل العربية و حُمل بالعربية، وتلقفته هذه الأمصار، و كان ما كان، مما كتبته كتب التاريخ وما لم تكتبه.

والأكيد أن هذا الدين في نسخته النهائية، لم يكن مجرد تعاليم و شرائع و عقائد تنسخ ما سبقها، الأمر هذه المرة ، المرة الأخيرة التي تكلم فيها السماء الأرض، مختلف، فكل تلك الشرائع والقوانين و الأحكام ، جاءت هذه المرة محمولة في وعاء معجز، و بلسان معجز، هو ذروة سنم هذا الدين وعلى هذا الإعجاز تحدى الأقوام و القبائل من جنة و ناس، فهل يمكن فصل اللغة عن مقدسها؟

من الصعب بل من المستحيل القول بذلك، هذا الدين الجديد أدهش القرشيين و خلع ألبابهم ، وتلكؤوا في قبول أحكامه بداية و لكن اللغة الجديدة ،أو بالأحرى النظم الجديد ،سحرهم وطار بألسنتهم وطأطؤوا رؤوسهم، و أحنوا هاماتهم لبلاغة القرآن و نظمه البديع.

لا يمكن بأي حال من الأحوال، ركن اللسان العربي بين دفات الكتاب المبين ، وانتظار خطبة الجمعة ليتذكر الناس شيئا اسمه العربية، لا يمكن القيام بعصر تدوين جديد ، على لسان دارجي أعرج، و لا يمكن أن يجيز الناس ، أن تذهب أربعة عشر قرنا هباء، لنعيد الكرة من جديد و نلحق بركب الأمم ،ممتطين لسانا جديدا مسيخا، بدعوى التواصل و لسان الأم و الأمهات.

لعمري هي دعوى باطلة ، لا ندري أين يسير بها أصحابها، و لأي غاية يستميتون ، و أي أجندة يخدمون.

“أنا لغتي …أنا ما قالت الكلمات : كن جسدي …..فكنت لنبرها جسدا”

كلمات صارخة بالتحدي و الأمل، نطقها الشاعر الفلسطيني، في وجه الذين سرقوا الوطن ، وعجزوا عن سرقة اللغة، اللغة آخر الطلقات و المتاريس.

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

ads1
التخطي إلى شريط الأدوات