أثار نقاش متصاعد داخل الأوساط السياسية والتشريعية الإسبانية حول مسودة قانون جديد للمعلومات السرية، اهتماما بالغا لدى منظمات المجتمع المدني الصحراوية التي تتطلع إلى أن تفتح هذه المبادرة الباب واسعا أمام كشف حقائق تاريخية طال انتظارها وتتعلق بممارسات نظام فرانكو الديكتاتوري في الأقاليم الجنوبية للمملكة.
ويهدف هذا التشريع الطموح إلى إلغاء القانون القديم للأسرار الرسمية الصادر سنة 1968، والذي شكل غطاء قانونيا متينا لممارسات الدولة الإسبانية وانتهاكاتها الجسيمة لحقوق الإنسان داخل وخارج حدودها، لا سيما في مستعمراتها السابقة.
وطالب تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية بضرورة استكمال المسار التشريعي لهذا القانون، لما يمثله من فرصة تاريخية للنفاذ إلى آلاف الوثائق السرية التي تؤرخ لمرحلة حرجة من تاريخ الصحراء المغربية تحت السيطرة الإسبانية.
واعتبر التحالف أن رفع السرية عن هذه الأرشيفات سيمكن من تصحيح العديد من الروايات التاريخية المغلوطة التي دأبت الدوائر اليمينية في إسبانيا على ترويجها، والتي كانت تصور الوجود الاستعماري الإسباني على أنه فترة من التسامح والرخاء، بينما كانت الحقائق على الأرض تشير إلى عكس ذلك تماما.
كشف جرائم فرانكو وتصحيح التاريخ
وفي هذا السياق، أكد عبد الوهاب الكاين، الكاتب العام لتحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية ورئيس منظمة “افريكا ووتش”، أن الجهود التي بذلتها الحكومات الإسبانية المتعاقبة منذ عام 1978 للتخلص من الإرث الثقيل لنظام فرانكو، تظل غير مكتملة دون مواجهة صريحة للانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها آلته القمعية منذ الانقلاب العسكري عام 1936 وحتى وفاة الديكتاتور عام 1975.
وأوضح أن قانون الأسرار الرسمية لعام 1968 كان الأداة التشريعية التي استخدمها فرانكو لفرض تعتيم شامل على ممارسات الدولة، حيث تم تصنيف أي معلومة أو وثيقة قد يضر كشفها بأمن الدولة أو دفاعها كـ”سرية”، مما وفر حصانة كاملة للمسؤولين عن تلك الانتهاكات.
وشدد الكاين ضمن تصريح لجريدة “العمق” على أن الأرشيف المراد رفع السرية عنه يكتنز معلومات ووثائق ذات قيمة تاريخية وسياسية استثنائية، لارتباطها بفترات دقيقة شكلت منعطفات حاسمة في تاريخ إسبانيا الحديث، والتي أثرت بشكل مباشر على مستقبل الإسبان حتى بداية الانتقال الديمقراطي مع تولي الملك خوان كارلوس مقاليد الحكم.

ورأى رئيس منظمة “أفريكا ووتش” أن تطوير التشريعات الإسبانية للسماح بالنفاذ إلى هذا الأرشيف ليس مطلبا إسبانيا داخليا فحسب، بل هو ضرورة لفهم حقبة مهمة من تاريخ الأقاليم الجنوبية للمغرب.
وأوضح الفاعل المدني أن كشف هذه الوثائق سيساهم في فهم أعمق لدوافع وأساليب الاستعمار الإسباني، وسيكشف عن المناورات التي كانت تحاك للتحكم في المجال والإنسان بالصحراء.
وأشار إلى أن الأرشيفات ستفضح مخططات الترويج لوجود ارتباط مصطنع بين الصحراء وإسبانيا، ومحاولات نفي أي صلة تاريخية أو ثقافية لأهل الصحراء بالمملكة المغربية.
وكشف أن إحدى الاستراتيجيات التي اعتمدها المستعمر كانت تتمثل في السعي لاستنبات هويات متباينة ومفتعلة بين مختلف مناطق الصحراء لتعزيز السيطرة وتكريس الفرقة.
وأضاف الكاتب العام للتحالف أن إسبانيا لجأت إلى تطبيق مشاريع فصل عنصري تمايزي بين مكونات الساقية الحمراء ووادي الذهب من جهة، ومنطقة واد نون ومركز سيدي إفني من جهة أخرى، وبين هذه المناطق مجتمعة وشمال المغرب.
واستند هذا المخطط إلى منظومة أمنية واستخباراتية معقدة بقيادة إسبانية، اعتمدت على قاعدة من المتعاونين المحليين الذين تم إغداق الامتيازات عليهم مقابل إطلاق حملات ممنهجة ضد كل الفئات والأشخاص المقاومين للاستعمار، مما أحدث اختلالا عميقا في التوازن الذي كان ينظم البنيات الاجتماعية العريقة في الصحراء.
واعتبر المتحدث ذاته أن رفع السرية سيمكن الجمهور، وخاصة ساكنة الأقاليم الجنوبية، من معرفة تاريخهم الحقيقي من خلال أرشيف المستعمر نفسه.
وأكد أن هذه الخطوة ستعمق الوعي بالدسائس التي كانت تحاك لتفتيت المجتمع الصحراوي، وستطلع الأجيال الجديدة على سجل الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبت ضد طيف واسع من الصحراويين، وفي مقدمتها الجرائم المرتكبة أثناء عمليات التوغل العسكري الإسباني في الإقليم، وجولات فرق الجيش في البادية، وتدخلاتها العنيفة ضد المدنيين العزل.
وسلط رئيس منظمة “افريكا ووتش” الضوء على واحدة من أبشع تلك الجرائم، وهي الهجمات المسلحة الشنيعة ضد المحتجين المدنيين في انتفاضة الزملة التاريخية سنة 1970، وما أعقبها من قمع وحشي لإسكات السكان المحليين، وممارسات تعذيب ممنهج خلفت آلاما عميقة لم تندمل آثارها بعد في نفوس عائلات القتلى والجرحى.
وذكر أن هذه الحقائق التي سيكشفها الأرشيف ستفند بشكل قاطع المزاعم التي يحاول مناصرو البوليساريو ترويجها، والتي تلمع صورة نظام فرانكو وتدعي أنه حقق الرفاه للصحراويين، مؤكدا أن هذه الادعاءات لا تخدم سوى أجندة تسعى لمواصلة تبعية بعض الأشخاص لنظام بائد، عوض الانخراط الكامل في المسار الديمقراطي والتنموي الذي أطلقته المملكة المغربية منذ استرجاع أقاليمها الجنوبية.
الأرشيف سيفضح مخطط خلق كيان وهمي
من جهتها، أفادت الدكتورة مينة لغزال، منسقة تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، أن التحالف قد أعلن في مناسبات عدة أن طي صفحة ماضي الانتهاكات الجسيمة في إسبانيا لن يكتمل إلا بفتح أرشيفات الحكومة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية.
وانتقدت استغلال الحكومات الإسبانية المتعاقبة لقانون فرانكو لعام 1968 وتوسيعه لتعزيز القيود على الوصول إلى الأسرار الرسمية، مما أدى إلى حجب جزء كبير من التاريخ في انتهاك صريح للحق في الوصول إلى المعلومات.

جريدة كلميم بريس جريدة كلميم بريس